نشتري الهاتف الجديد الذي انتظرناه أشهراً، فنشعر بفرح غامر أول أسبوع. ثم، بهدوء وبلا أن نلاحظ، يتحول ذلك الفرح إلى شعور عادي، وكأن الهاتف كان دائماً بهذا الشكل. وسرعان ما تلتقط أعيننا موديلاً أحدث، فيعود ذلك الشعور القديم بالنقص من جديد. لماذا يحدث هذا؟ لماذا لا يدوم الرضا الذي نظن أن الأشياء الجديدة ستمنحنا إياه؟
هذا النمط لا يقتصر على الأشياء المادية فقط، بل يمتد إلى الترقيات الوظيفية، والعلاقات، وحتى الإنجازات الكبرى التي طالما حلمنا بها. نصل إليها، نفرح للحظة، ثم يعود السؤال القديم بصيغة جديدة: "ماذا بعد؟"
عجلة التكيف الهامشي
يسمي علماء النفس هذه الظاهرة "عجلة التكيف الهامشي"، وهي آلية نفسية عميقة تجعل مستوى سعادتنا الأساسي يعود دائماً إلى نقطة ثابتة تقريباً، مهما تغيرت ظروفنا الخارجية للأفضل أو للأسوأ. من فاز بجائزة كبرى، ومن مر بحادث مؤسف، كلاهما يعود بعد فترة إلى مستوى سعادته المعتاد تقريباً، رغم الفرق الهائل في الحدث نفسه.
هذه الآلية لم تكن عبثية؛ فقد ساعدت أسلافنا على الاستمرار في السعي والعمل، بدل الاستقرار في رضا دائم قد يوقف الطموح والتطور. لكن المشكلة أن هذه الآلية نفسها، في عالمنا الحديث المليء بالإغراءات والمقارنات المستمرة، تحولت إلى سباق لا ينتهي أبداً، نركض فيه خلف "الشيء القادم" دون أن نصل يوماً إلى خط النهاية الذي نتخيله.
الامتنان مقابل الرضا السطحي
هنا يكمن الفرق الجوهري بين نوعين من المشاعر يُخلط بينهما كثيراً: الرضا السطحي الناتج عن حدث خارجي، والامتنان العميق الذي يمكن أن يُختار وينمّى بغض النظر عن الظروف. الرضا السطحي يشبه شرارة عابرة، تُضيء للحظة ثم تخبو، لأنها مرتبطة بحدث خارجي متغير بطبيعته. أما الامتنان، فهو أقرب إلى موقف داخلي نختاره واعياً، لا ينتظر حدثاً خارجياً ليبرره.
الفرق العملي بينهما بسيط لكنه عميق: الرضا السطحي يقول "أنا سعيد لأنني حصلت على كذا"، بينما الامتنان يقول "أنا ممتن لوجود كذا في حياتي، بغض النظر عما سأحصل عليه لاحقاً". هذا التحول البسيط في الصياغة يغير جذرياً علاقتنا بما نملك، ويحررنا من الحاجة المستمرة للمزيد لنشعر بالرضا.
لماذا نركز على الفراغ لا الامتلاء؟
يميل عقل الإنسان بطبيعته إلى ملاحظة ما ينقصه أكثر بكثير مما يلاحظ ما يملكه بالفعل. هذا ما يُعرف بـ"التحيز السلبي"، وهو ميزة تطورية قديمة كانت تساعد أسلافنا على البقاء متيقظين للأخطار المحتملة. لكن في حياتنا اليومية الحديثة، حيث الأخطار الجسدية المباشرة أقل بكثير، تحول هذا التحيز إلى ميل دائم لملاحظة الفجوة بين ما نملك وما نتمناه، بدل الانتباه لكل ما هو موجود بالفعل ويستحق التقدير.
تخيل غرفة مليئة بعشرات الأشياء الجميلة، لكن فيها نافذة واحدة مكسورة. غالباً، ستذهب عيوننا مباشرة إلى النافذة المكسورة، متجاهلة كل شيء آخر في الغرفة. هذا بالضبط ما يفعله عقلنا مع حياتنا كاملة: يركز على "النافذة المكسورة" الواحدة، ويتجاهل كل النعم الأخرى المحيطة بها.
الامتنان كممارسة يومية
الخبر الجيد أن الامتنان، مثل أي عضلة، يمكن تقويته بالتمرين المستمر. الأمر لا يتطلب تغييرات كبرى في الحياة، بل ممارسات صغيرة ومتكررة. كتابة ثلاثة أشياء نشعر بالامتنان لها كل مساء، حتى لو بدت بسيطة كطعم القهوة الصباحية أو ضحكة طفل، تعيد تدريجياً تدريب العقل على ملاحظة الامتلاء بدل التركيز الدائم على الفراغ.
كذلك، فإن التعبير عن الامتنان مباشرة لشخص ساعدنا أو أثر في حياتنا، بدل الاكتفاء بالشعور الداخلي الصامت، يضاعف الأثر الإيجابي لهذه الممارسة، لأنه يحول الامتنان من فكرة مجردة إلى فعل حقيقي يقوي العلاقات ويمنحنا شعوراً أعمق بالارتباط بمن حولنا.
الامتنان في أصعب اللحظات
قد يظن البعض أن الحديث عن الامتنان في أوقات الصعوبة والألم نوع من التجاهل أو الإنكار للمعاناة الحقيقية. لكن الامتنان الحقيقي لا يعني إنكار الألم أو التظاهر بأن كل شيء بخير، بل يعني القدرة على رؤية بصيص نور صغير حتى وسط الظلام، دون أن ننكر الظلام نفسه.
فمن يمر بمرض صعب، قد لا يكون ممتناً للمرض نفسه، لكنه قد يجد امتناناً حقيقياً لوجود من يهتم به، أو لدرس تعلمه عن هشاشة الحياة وقيمتها. هذا النوع من الامتنان لا يلغي الألم، بل يجاوره، ويمنحنا قوة داخلية للاستمرار رغم الصعوبة، بدل أن نغرق كلياً في الشعور بالضحية أمام كل ما هو خطأ في حياتنا.
خاتمة: الامتنان اختيار متجدد
ربما يكون الدرس الأعمق أن الرضا الحقيقي لا يأتي أبداً من الوصول إلى "الشيء القادم" الذي ننتظره، بل من تعلم كيف ننظر بعين ممتنة إلى ما هو موجود بالفعل بين أيدينا الآن. فالشخص الذي يملك القليل لكنه يمتن له، غالباً ما يكون أكثر سلاماً داخلياً من الشخص الذي يملك الكثير لكنه لا يتوقف أبداً عن مقارنة نفسه بمن يملك أكثر.
الامتنان ليس وجهة نصل إليها يوماً ونستقر فيها للأبد، بل اختيار يومي متجدد، نمارسه بوعي حتى يصبح جزءاً من طريقة نظرنا للحياة نفسها، لا مجرد رد فعل عابر تجاه حدث سعيد.
📖 شاهد أيضاً: لماذا نقارن أنفسنا بالآخرين؟ — مقال مرتبط بنفس الفكرة، عن التوقف عن المقارنة كبوابة نحو الامتنان الحقيقي.
